ابن عجيبة

551

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أي : يمنعهما من أن تزولا ؛ لأن إمساكهما منع . والمشهور عند المنجمين : أن السماوات هي الأفلاك التي تدور دورة بين الليل والنهار . وإنكار ابن يهود على كعب ، كما في الثعلبي ، تحامل ؛ إذ لا يلزم من دورانها عدم إمساكها بالقدرة ، وانظر عند قوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها . . « 1 » قال القشيري : أمسكهما بقدرته ، وأتقنهما بحكمته ، وزينهما بمشيئته ، وخلق أهلهما على موجب قضيته ، فلا شبيه في إبقائهما وإمساكهما يساهمه ، ولا شريك في إيجادهما وإعدامهما يقاسمه . ه . وَلَئِنْ زالَتا ، على سبيل الفرض ، إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، من بعد إمساكه . و « من » الأولى : مزيدة ، لتأكيد النفي ، والثانية : ابتدائية ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ، غير معاجل بالعقوبة ، حيث أمسكهما على من يشرك به ويعصيه ، وكانتا جديرتين بأن تهدّ هدّا ، كما قال : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ . . « 2 » الآية . الإشارة : الوجود قائم بين سماء القدرة وأرض الحكمة ، بين سماء الأرواح وأرض الأشباح ، بين سماء المعاني وأرض الحس ، فلو زال أحدهما لاختل نظام الوجود ، وبطلت حكمة الحكيم العليم . الأول : عالم التعريف ، والثاني : عالم التكليف . الأول : محل التنزيه ، والثاني : محل التشبيه ، الأول : محل أسرار الذات ، والثاني : محل أنوار الصفات ، مع اتحاد المظهر ؛ إذ الصفات لا تفارق الموصوف ، فافهم . وفي بعض الأثر : « إن العبد إذا عصى اللّه استأذت السماء أن تسقط عليه من فوقه ، والأرض أن تخسف من تحته ، فيمسكهما اللّه تعالى بحلمه وعفوه ، ثم تلى الآية : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا إلى قوله : كانَ حَلِيماً غَفُوراً » ه . بالمعنى . ثم ذكر عناد قريش وعتوهم ، تتميما لقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ . . إلخ ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 42 إلى 44 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 42 ) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ( 43 ) أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً ( 44 )

--> ( 1 ) الآية 38 من سورة يس . ( 2 ) الآية 90 من سورة مريم .